عاجل

image

لبنان في حسابات تل أبيب: وجوه جديدة وشروط قديمة


فتحت صناديق الاقتراع الاسرائيلية الشهية على تداعيات اليوم التالي لاسيما على الخط اللبناني الذي لا يحتاج إلى انتظار اسم رئيس الحكومة الإسرائيلية المقبل ليدرك حجم المأزق الذي يواجهه جنوباً. فالقوات الإسرائيلية لا تزال تحتفظ بمواقع داخل الأراضي اللبنانية، والمفاوضات لم تحقق اختراقاً في المسائل الأمنية الأساسية، فيما المسألة التي تعني بيروت مباشرة هي مدى انعكاس نتائج الانتخابات على تبدّل قواعد التفاوض، أم ترك لبنان أمام الشروط نفسها مع اختلاف الوجوه في تل أبيب.

تكتسب هذه الانتخابات أهميتها من توقيتها. فمنذ إطلاق المفاوضات المباشرة في نيسان الماضي، برعاية أميركية، يحاول لبنان تثبيت مسار يفضي إلى وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي واستعادة الدولة سيادتها على كامل أراضيها. وفي المقابل، تربط إسرائيل التقدم في الترتيبات الأمنية بمصير سلاح حزب الله، وتطالب بضمانات تتعلق بقدرة الجيش اللبناني على تفكيك البنية العسكرية للحزب. وقد أرسى المسار الثلاثي إطاراً للتفاهم في حزيران، لكنه لم ينهِ الخلافات على التنفيذ، فيما بقيت الوقائع الميدانية أسرع من قدرة الدبلوماسية على احتوائها.

تكمن أهمية الحسابات الانتخابية الاسرائيلية للبنان في أن الفوز بأكبر عدد من المقاعد لا يكفي وحده لتحديد سياسة الحكومة المقبلة وعليه، فإن المفاوضات التي ستلي إقفال صناديق الاقتراع قد تكون حاسمة بقدر الانتخابات نفسها، لأن تركيبة الحكومة هي التي ستحدد موازين القوى بين التيارات الأمنية والسياسية داخلها.

إذا نجح نتنياهو في الاحتفاظ برئاسة الحكومة، فسيكون على الأرجح أمام اختبار مواصلة المقاربة التي تربط أي تقدم أمني بإحراز خطوات ملموسة في ملف سلاح حزب الله. وقد يمنح استمرار الائتلاف الحالي الأطراف الأكثر تشدداً قدرة أكبر على التأثير في القرار المتعلق بالجنوب. غير أن بقاء نتنياهو لا يعني بالضرورة تصعيداً عسكرياً، كما أن الضغوط الأميركية وحسابات الجبهة الشمالية ستظل عوامل مؤثرة في خياراته.

أما إذا تشكلت حكومة برئاسة آيزنكوت أو بقيادة معارضة نتنياهو، فسيكون التغيير السياسي فرصة لاختبار مقاربة تفاوضية مختلفة. لكن لا تتوافر ضمانات بأن الحكومة الجديدة ستقبل بانسحاب إسرائيلي سريع أو ستخفف شروطها المتعلقة بسلاح حزب الله. فالخلاف على الترتيبات الأمنية يتصل بتقدير إسرائيل لمخاطر الحدود وبقدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها، وهي مسائل تتجاوز الخلافات الشخصية والحزبية داخل إسرائيل.

أما المسار الثالث، فيتمثل في تعذر تشكيل حكومة مستقرة، بما يطيل فترة المساومات السياسية. وفي هذه الحالة، قد يصبح اتخاذ قرارات استراتيجية أكثر صعوبة، فيما تبقى المؤسسات الأمنية قادرة على مواصلة عملها ضمن الصلاحيات القائمة. ولا يعني الفراغ السياسي بالضرورة توقف الاتصالات أو العمليات العسكرية، لكنه قد يجعل التوصل إلى تفاهمات جديدة أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا احتاجت إلى قرارات حكومية واضحة.

تواجه المفاوضات مشكلة أعمق من هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية: فلبنان يريد الانسحاب الإسرائيلي وتثبيت سيادته، فيما تجعل إسرائيل نزع سلاح حزب الله والتحقق منه شرطاً مركزياً لأي تسوية أمنية. وبين الموقفين، يبرز سؤال الجهة التي ستتولى التحقق من تنفيذ الترتيبات، والصلاحيات التي ستُمنح لها، والضمانات التي ستمنع تحول الإجراءات الأمنية إلى مبرر لبقاء عسكري مفتوح الأمد.

لا تقتصر المؤشرات المهمة على هوية رئيس الحكومة المقبل. فاسم وزير الدفاع، وتركيبة الائتلاف، وحدود التفويض الممنوح للمفاوضين، وموقف واشنطن من آلية التحقق، كلها عناصر ستساعد في تحديد الاتجاه الذي ستسلكه المفاوضات. كذلك، ستبقى التطورات الميدانية في الجنوب عاملاً ضاغطاً على المسار السياسي، لأن أي تصعيد قد يغيّر الأولويات ويضيّق هامش التفاوض.

بالنسبة إلى لبنان، المطلوب هو التعامل مع الانتخابات الإسرائيلية بوصفها محطة مؤثرة، لا باعتبارها مفتاح الحل الوحيد. فالمشكلة الأساسية تكمن في التناقض بين شروط إسرائيل الأمنية ومطلب لبنان استعادة سيادته، وفي الفجوة بين ما تتعهد به الدولة وما تستطيع تنفيذه على الأرض.

قد تغيّر الانتخابات ميزان القوى داخل إسرائيل، وقد تؤخر المساومات تشكيل الحكومة أو تفتح الباب أمام قيادة جديدة. أما إنهاء الحرب مع لبنان، فيحتاج إلى مسار تفاوضي يحدد بوضوح مصير المواقع الإسرائيلية، وآلية تنفيذ الترتيبات الأمنية، والضمانات المتبادلة. وحتى تتضح هذه العناصر، سيبقى جنوب لبنان متأثراً بقرارات تُصنع في تل أبيب وواشنطن، فيما تحاول بيروت انتزاع مساحة أوسع للتأثير في مستقبلها.

علاء خوري - ليبانون فايلز

  • شارك الخبر: